العز بن عبد السلام
306
شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )
الأجور والآثام إلا بالمفاسد والمصالح دون الأفعال ، فقد يتضمن الفعل الواحد مفاسد كثيرة ، كمن وطئ أمه في البيت الحرام وهما محرمان صائمان في رمضان فإنه يأثم بقطع الرحم ، والزنا ، وانتهاك حرمة البيت الحرام وإفساد النسك والصيام ، ويلزمه حد الزنا وكفارة إفساد النسك ، وكفارة إفساد الصوم ، والتعزير على انتهاك حرمة البيت الحرام ؛ لأنه حقق تلك المفاسد كلها بفعل واحد فسرت عليها كفاراتها وعقوباتها وآثامها . ولو عزل الإمام واليا ظالما بقتل النفوس وهتك الأبضاع وسلب الأموال وغير ذلك من أنواع المظالم ، فإنه يؤجر بكلمة العزل على دفع كل مفسدة من هذه المفاسد مع اتحاد الكلمة ، والمجاهد في سبيل اللّه يثاب على إعزاز الدين وعلى محو الكفر ، وعلى صون دنيا المسلمين وأبضاعهم وحرمهم وأطفالهم ، وعلى ما يحصله لهم بالقتال من الفيء والغنيمة والجزية ، وعلى ما يدخله عليه من إذهاب غيظهم وشفاء صدورهم وأمنهم على أنفسهم وأموالهم وحريمهم وأطفالهم ، وكلما عظمت مصالح الفعل ، عظمت درجته عند اللّه ؛ إذ يثاب فاعله على جميع مصالحه ، وكلما عظمت مفاسده عظم إثمه ؛ إذ يتعرض للعقاب والمقت على كل مفسدة من مفاسده . ومن المصالح الخفية ما لا يفهمه إلا العلماء لغلبة غيره عليه ، وذلك كالجماع المأذون فيه ، فإنه يغلب عليه قضاء الوطر ، وفيه مصلحة إعفاف الواطئ والموطوءة ، وكفهما عن الزنا الذي هو من أكبر الكبائر ؛ ولذلك قال عليه السّلام : " وفي بضع أحدكم صدقة " " 1 " ، وكذلك قد يثاب الإنسان على أكله ونومه ، إذا قصد بهما التقوي على الطاعة ، / وعلى بعض المزاح إذا قصد به خير الممزوح معه ، وعلى ذلك يحمل مزاح الأنبياء عليهم السّلام ، فكم من راقد على فراشه وهو سائر إلى اللّه ، وكم من آكل وشارب ومازح وملاعب متقرب إلى اللّه بمقصده في ذلك ، وكم من راكع وساجد وناسك وعابد يظن أنه مقبل على اللّه تعالى وهو هارب منه ، وسائر إليه وهو راحل عنه ، وذلك لسوء مقصده وخبث طويته وفساد سريرته ، فمنهم من يشعر بذلك ولكنه يتعالى عنه ، ومنهم من يخفى عنه ذلك لعظم جهالته وفرط غباوته ، وهم يحسبون أنهم
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 1006 ) عن أبي ذر مرفوعا .